يشهد مشهد البيع بالتجزئة تحولاً جذرياً. إذا كان العقد الماضي قد تميز بالانتقال إلى التجارة عبر الهاتف المحمول (Mobile Commerce)، فإن العقد القادم سيُعرف بعصر الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI).
ما بدأ كمجرد مصطلح تقني رائج مع إطلاق ChatGPT، نضج بسرعة ليصبح بنية تحتية أساسية للتجارة الإلكترونية الحديثة. لم يعد التجار يسألون ما إذا كان ينبغي عليهم استخدام الذكاء الاصطناعي، بل كم السرعة التي يمكنهم بها نشره للحصول على ميزة تنافسية.
وفقاً لتقارير الصناعة الأخيرة، من المتوقع أن يتقدم المتبنون الأوائل للذكاء الاصطناعي في قطاع التجزئة بأكثر من عامين على منافسيهم. ولكن كيف يبدو هذا في الواقع العملي؟ الأمر يتجاوز مجرد روبوتات الدردشة البسيطة.
إليك أهم استخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تعيد تشكيل قطاع التجزئة في عام 2025.
1. الجيل القادم من القياس الافتراضي (Virtual Try-On)
بالنسبة لمتاجر الأزياء، كانت "فجوة الثقة" دائماً العقبة الكبرى أمام المبيعات عبر الإنترنت. هل سيناسبني هذا المقاس؟ هل سيبدو جيداً على شكل جسمي؟
حاول الواقع المعزز (AR) التقليدي حل هذه المشكلة بتركيبات ثلاثية الأبعاد، لكنها غالباً ما كانت تبدو كرتونية أو تتطلب نماذج ثلاثية الأبعاد باهظة الثمن. هنا جاء الذكاء الاصطناعي التوليدي ليغير قواعد اللعبة.
أدوات مثل Genlook تستخدم نماذج توليدية لـ "إلباس" صورة العميل بشكل واقعي. يفهم الذكاء الاصطناعي انسيابية القماش، والإضاءة، وشكل الجسم، لإنشاء صورة واقعية تظهر بالضبط كيف سيبدو الزي.
- الأثر: هذه ليست مجرد ميزة ترفيهية؛ بل هي أداة مالية قوية. التجار الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للقياس الافتراضي يسجلون انخفاضاً كبيراً في معدلات الإرجاع وزيادة في معدلات التحويل من خلال القضاء على ظاهرة "شراء مقاسين لإرجاع واحد".
2. مساعدو التسوق الأذكياء وتجارة الوكلاء (Agentic Commerce)
نحن ننتقل من مرحلة "العملاء الذين اشتروا هذا اشتروا ذاك..." نحو التجارة القائمة على الوكلاء الأذكياء.
في عام 2025، يُمكّن الذكاء الاصطناعي التوليدي وجود "مساعدي تسوق أذكياء" يفهمون اللغة الطبيعية، والسياق، والنوايا.
- مثال: بدلاً من التصفية حسب "فستان أحمر" و "مقاس M"، يمكن للمتسوقة أن تطلب: "أحتاج إلى زي لحضور حفل زفاف صيفي في الساحل الشمالي بسعر أقل من 750 ريال ويتناسب مع صندلي الذهبي."
- رد المساعد الذكي: لا يقوم المساعد بسرد المنتجات فحسب؛ بل ينظم "كتالوجاً" مخصصاً، ويقترح أقمشة تسمح بمرور الهواء وتناسب حرارة الصيف، وأنماطاً مناسبة لضيفة في حفل زفاف، مع شرح سبب اختياره لهذه القطع.
علامات تجارية كبرى مثل Zalando و Carrefour قامت بالفعل بنشر نسخ من هذه التقنية، مستخدمة نماذج لغوية كبيرة (LLMs) لتوجيه العملاء عبر مخزونات ضخمة بخبرة تضاهي خبرة منسق الأزياء الشخصي.
3. المحتوى الديناميكي و "استوديوهات الذكاء الاصطناعي"
إحدى أكثر المهام استهلاكاً للوقت لمديري التجارة الإلكترونية هي إنشاء المحتوى. كتابة أوصاف فريدة متوافقة مع محركات البحث (SEO) لآلاف المنتجات وتصويرها بشكل احترافي هو كابوس لوجستي ومكلف.
الذكاء الاصطناعي التوليدي يحل هذه المشكلة على جبهتين:
- النصوص: يمكن للذكاء الاصطناعي توليد أوصاف منتجات فريدة تتماشى مع صوت العلامة التجارية في ثوانٍ، ومحسنة لكلمات مفتاحية محددة.
- الصور (استوديو الذكاء الاصطناعي): تسمح الأدوات الآن للتجار بإنشاء صور منتجات احترافية دون الحاجة لجلسة تصوير. من خلال التقاط صورة بسيطة لقميص (Ghost Mannequin)، يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء صور لهذا القميص يرتديه عارضون متنوعون في أماكن مختلفة (مثل الشاطئ، شارع في المدينة، أو استوديو). يسمح هذا بإنشاء محتوى ديناميكي حيث قد يرى المستخدم عارضاً يشبهه، مما يزيد من الارتباط بالمنتج.

4. البحث المرئي والاكتشاف التوليدي
البحث النصي له حدوده. أحياناً لا يمكنك وصف ما تبحث عنه، لكنك تعرفه عندما تراه.
يعزز الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرات البحث المرئي، مما يسمح للمستخدمين برفع صورة لزي رأوه على تيك توك (TikTok) أو إنستجرام والعثور على أقرب العناصر المطابقة في متجرك. إنه يسد الفجوة بين الإلهام والشراء فورياً.
علاوة على ذلك، يخلق الاكتشاف التوليدي واجهات جديدة. إذا كان المستخدم يطيل النظر إلى الأثاث البسيط (Minimalist)، يمكن للصفحة الرئيسية للموقع أن "تعيد تصميم" نفسها ذاتياً لتسليط الضوء على الجماليات البسيطة، وإخفاء المجموعات الكلاسيكية أو الصناعية.
5. التنبؤ الذكي بالطلب والتوائم الرقمية لسلاسل التوريد
بينما قد يكون هذا الاستخدام أقل وضوحاً للعميل، إلا أنه ربما يكون الأكثر تأثيراً على أرباح تاجر التجزئة.
تخلق نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي "توائم رقمية" (Digital Twins) لسلسلة التوريد. تقوم بتحليل مجموعات بيانات ضخمة—المبيعات التاريخية، اتجاهات وسائل التواصل الاجتماعي، أنماط الطقس، والمؤشرات الاقتصادية—للتنبؤ بالطلب بدقة مذهلة.
- الفائدة: يساعد هذا التجار على تحسين مستويات المخزون، مما يقلل من المخاطر المزدوجة المتمثلة في نفاذ المخزون (ضياع الإيرادات) و تكدس المخزون (الهدر والتخفيضات القسرية). بالنسبة لعلامات الأزياء المستدامة، فإن إنتاج ما هو مطلوب فقط هو الاستراتيجية الخضراء الأمثل.
6. كشف الاحتيال وإدارة المخاطر
مع نمو حجم المعاملات الرقمية، يزداد الاحتيال تعقيداً. الذكاء الاصطناعي التوليدي سلاح ذو حدين هنا؛ فبينما يمكن استخدامه من قبل الجهات السيئة، فهو أيضاً درع قوي للتجار.
يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل أنماط المعاملات في الوقت الفعلي لاكتشاف الحالات الشاذة التي قد تفوتها القواعد البشرية. يمكنها التمييز بين عملية شراء مشروعة عالية القيمة وعملية استيلاء احتيالي على الحساب، مما يقلل من عمليات رد الأموال (Chargebacks) دون إضافة تعقيدات للعملاء الحقيقيين.
الخلاصة: ميزة المتبني الأول
إن دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في تجارة التجزئة ليس مجرد أتمتة؛ إنه تعزيز للقدرات. إنه يعزز قدرة العميل على تخيل المنتجات (عبر القياس الافتراضي)، وقدرة التاجر على إنشاء محتوى (عبر استوديوهات الذكاء الاصطناعي)، وقدرة المشتري على العثور على ما يحتاجه بالضبط (عبر المساعدين الأذكياء).
في عام 2025، أصبحت التكنولوجيا في المتناول. تطبيقات مثل Genlook تجلب الذكاء الاصطناعي التوليدي بمستوى المؤسسات الكبرى إلى تجار شوبيفاي من جميع الأحجام. لم يعد السؤال هو ما إذا كان يجب اعتماد الذكاء الاصطناعي، بل ما مدى السرعة التي يمكنك بها دمجه لتقديم التجارب المخصصة والسلسة التي يطلبها المتسوق الحديث.